“مهرجانات لبنان الصيفية: أربع وجهات فنية بأربع قصص مختلفة”

بقلم: روان سيف| تاريخ النشر:  19 يونيو 2026 | وقت القراءة: 7 دقائق

أربعة مسارح لبنانية، أربع فلسفات مختلفة تماماً لجذب النجوم: تحليل موثّق بالأرقام والتواريخ لكيفية بناء بعلبك وبيت الدين وبيبلوس والأرز سمعتها الفنية على مدى سبعين عاماً.


بالأرقام: كيف حوّلت أربعة مسارح لبنانية نفسها إلى أعلى شهادة فنية في العالم العربي؟

بين عام ١٩٨٤ وعام ٢٠٢٣، احتضن قصر بيت الدين وحده أكثر من ٥٠٠ حفلة، ضمّت أكثر من ٦٦٠٠ فنان وموسيقي، أمام ما يزيد على ٧٠٠ ألف مشاهد. هذا الرقم ليس استثناءً معزولاً، بل نموذج يتكرر بدرجات متفاوتة في ثلاثة مسارح أخرى: بعلبك، وبيبلوس، وبشري. والسؤال الحقيقي ليس “من غنّى هناك”، بل: لماذا اختلفت كل واحدة من هذه المنصات الأربع عن الأخرى في طريقة بناء سمعتها، رغم أنها تتشارك بلداً واحداً وميزانيات متقاربة نسبياً؟

بعلبك: مشروع دولة منذ اليوم الأول

تأسس مهرجان بعلبك رسمياً عام ١٩٥٦ على يد الرئيس كميل شمعون، كمؤسسة حكومية صريحة هدفها الترويج للسياحة والثقافة اللبنانية — لم يكن مشروعاً فنياً تطوّر لاحقاً إلى أداة سياسية، بل وُلد سياسياً من البداية. هذا التفصيل مهم لفهم كل ما تبعه: بعلبك لم تكن تنافس على “أفضل حفلة”، بل على “أفضل واجهة لدولة”.

بين ١٩٦٨ و١٩٧٤ تجمّعت في بعلبك أسماء هيربرت فون كارايان، وأم كلثوم وصباح وإيلا فيتزجيرالد (١٩٧٠)، ونينا سيمون (١٩٧١)، ومايلز ديفيس وألفين آيلي (١٩٧٣)، وجوان باييز وتشارلز مينغوس (١٩٧٤). هذا التزامن ليس صدفة توفّر فني، بل يعكس لحظة لبنان كـ”سويسرا الشرق” ما قبل الحرب — بلد يقدّم نفسه كنقطة عبور بين الشرق والغرب اقتصادياً ومصرفياً، فجاء المهرجان ليعكس نفس الصورة فنياً: لا مهرجاناً عربياً يستضيف ضيوفاً غربيين، بل منصة عالمية تتوسطها أسماء عربية كبرى.

توقف المهرجان كلياً مع الحرب الأهلية، وأعاد فتحه أمام جمهور جديد عام ١٩٩٧ — فجوة ٢٢ عاماً لم تكن مجرد توقف، بل أعادت تموضع المهرجان كرمز تعافٍ وطني أكثر من كونه حدثاً سياحياً. وهذا ما يفسّر لماذا تحوّل استمراره لاحقاً، رغم حرب ٢٠٠٦ والانهيار الاقتصادي، إلى “رواية صمود” تُستخدم إعلامياً في كل دورة.

ومع الذكرى الستين عام ٢٠١٦، استضاف المهرجان جان ميشال جار وميكا أمام أكثر من ٢٠ ألف متفرج، وتبعتها أسماء إبراهيم معلوف وماتيو شيديد وأنجيليك كيدجو وبن هاربر. هذا التحول من أيقونات الجاز والكلاسيك إلى أسماء بوب وإلكترونيك أوروبية ليس تراجعاً في المستوى، بل تغيير استراتيجية مقصود: استهداف جمهور أصغر سناً وتغطية إعلامية معاصرة، مع الاستثمار في فنانين من جذور لبنانية (معلوف، شيديد) كرسالة “عودة إلى الوطن” تخدم الرواية نفسها. أما تأجيل دورة ٢٠٢٦ التي كانت ستستضيف غبريال يارد، فيكشف أن استمرارية المهرجان أصبحت مرتبطة بالأمن الإقليمي بقدر ما هي مرتبطة بالتمويل — هشاشة لم تكن موجودة بنفس الحدّة في عصره الذهبي قبل الحرب.

بيت الدين: لما يصبح الاستقرار الإداري هو الميزة الحقيقية

تأسس مهرجان بيت الدين عام ١٩٨٤ في عمق الحرب الأهلية، على يد عائلة جنبلاط — وهنا الفرق الجوهري عن بعلبك: لم يكن مشروع دولة، بل فعلاً سياسياً فردياً لعائلة واحدة قررت تأكيد الحضور والحياة الطبيعية في قلب منطقة الشوف وسط الحرب. الدافع لم يكن السياحة، بل تثبيت رمزية المكان والطائفة في لحظة صراع.

النتيجة بعد أربعين عاماً: ٥٠٠ حفلة، ٦٦٠٠ فنان، ٧٠٠ ألف مشاهد — رقم لا يمكن تفسيره بجمال القصر العثماني وحده. التفسير الأدق هو الاستمرارية الإدارية: عائلة واحدة تدير المهرجان دون انقطاع لأربعة عقود، عبر أكثر من عشر حكومات لبنانية متعاقبة وحرب أهلية وانهيار اقتصادي. هذا النوع من الثبات نادر، وهو ما يفسر قدرة المهرجان على الحفاظ على مستوى ضيوفه (إلتون جون، بلاثيدو دومينغو، آنّا نتريبكو، روبرتو ألانيا) حتى في أحلك سنوات الأزمة.

دورة ٢٠٢٣ كانت مثالاً واضحاً على استراتيجية المهرجان: افتتحتها فرح الديباني، مزو سوبرانو مصرية-فرنسية، بأوركسترا قدّمت مقطوعات لسيد درويش وتوفيق الباشا معاً. هذا الجمع المتعمّد بين تراثين، مصري ولبناني، تحت إدارة فنانة أوروبية التكوين، يكشف أن بيت الدين لا يكتفي باستضافة الأسماء العالمية، بل يختار أسماء قادرة على تجسيد جسر شرق-غرب بشكل مباشر في برنامجها الموسيقي — وليس فقط بحضورها على الخشبة.

بيبلوس: شراء إنتاجات جاهزة بدل المغامرة بنجم واحد

تتبع بيبلوس نموذجاً مختلفاً تماماً عن بعلبك وبيت الدين: استيراد إنتاجات متكاملة جاهزة بدل حجز نجم منفرد. عام ٢٠٢٢، افتتح المهرجان بعرض “تجار بوليوود”، مسرحية غنائية أسترالية الإنتاج بإخراج بريطاني، شارك فيها ٤٠ فناناً هندياً. هذا النموذج يقلّل من مخاطر “الرهان على نجم واحد قد يلغي أو لا يحقق الجماهيرية المتوقعة”، لأن الإنتاج كامل ومضمون الجودة من قبل فرقة محترفة متكاملة سبق أن جرّبت العرض في أسواق أخرى.

بالتوازي، حافظ المهرجان على علاقة طويلة الأمد مع غدي وأسامة الرحباني، اللذين وقفا على خشبته للمرة الثامنة على الأقل بحلول عام ٢٠١٧. هذا الاعتماد على عدد محدود من الأسماء الموثوقة المتكررة، بدل مطاردة قائمة متجددة من نجوم عالميين كل عام، يمنح بيبلوس استدامة بميزانية أصغر — لكنه أيضاً يفسّر لماذا لا تحمل بيبلوس نفس “وزن الاسم العالمي” الذي تحمله بعلبك أو بيت الدين في الأرشيف العام.

الأرز في بشري: حين تكون “العالمية” بالوكالة وليست استيراداً مباشراً

مهرجان الأرز يكشف نموذجاً ثالثاً: الاحتفال بالهوية الوطنية الصرفة كاستراتيجية بديلة عن استيراد نجوم عالميين مباشرة. في افتتاحية ٢٠١٧، جمعت أوبريت “الأرزة” ١٢ نجماً لبنانياً متنافسين تجارياً في العادة على خشبة واحدة: وليد توفيق، وغسان صليبا، ونجوى كرم، ونانسي عجرم، ومعين شريف، وملحم زين، وعبير نعمة، وجوزيف عطية، ورامي عياش، وزين العمر، وتانيا قسيس، وإيليا فرنسيس. جمع هذا العدد من النجوم المتنافسين تحت بانر رمزي واحد (شجرة الأرز كعلم وطني) هو بالفعل نجاح تنظيمي نادر، أكثر صعوبة من حجز اسم عالمي واحد.

بعد توقف بسبب الانهيار الاقتصادي، أعادت النائب ستريدا جعجع إطلاق المهرجان عام ٢٠٢٥ باستضافة فرقة “مياس” والفنان وائل كفوري — وأشارت اللجنة تحديداً إلى أن كفوري قدّم ديو مع مايكل بوبليه في حفل بالرياض بنفس العام. هذا التفصيل ليس عرضياً: فهو يكشف الاستراتيجية الكاملة للمهرجان — بدل استيراد نجم عالمي مباشرة إلى بشري (وهو خيار مكلف لمهرجان أصغر ميزانية)، يُستثمر في نجوم لبنانيين أثبتوا فعلاً قدرتهم على الوقوف على مسارح عالمية في مكان آخر، فتصل “العالمية” إلى الجمهور بالوكالة، لا بالاستيراد المباشر.

الخلاصة: أربع فلسفات، رابط واحد

بعلبك تراهن على الثقل التاريخي كمشروع دولة، بيت الدين على استقرار عائلة واحدة لأربعين عاماً، بيبلوس على إنتاجات جماعية جاهزة منخفضة المخاطر، والأرز على الهوية المحلية بالوكالة. الرابط الوحيد الحقيقي بين الأربعة هو أن كل واحد منها حوّل أزمة — حرب، انهيار اقتصادي، عزلة سياسية — إلى فرصة لإعادة تأكيد استمراريته بدل التوقف. وهذا، أكثر من أي حجر روماني أو زخرفة عثمانية، هو ما يفسّر بقاء لبنان وجهة فنية يصعب تجاوزها في المنطقة، حتى في أصعب سنواته.


الأسئلة الشائعة

متى تأسس مهرجان بعلبك الدولي؟
عام ١٩٥٦ في عهد الرئيس كميل شمعون، كمؤسسة حكومية رسمية، وتوقف بين ١٩٧٥ و١٩٩٧ بسبب الحرب الأهلية.

ما الفرق الجوهري بين فلسفة بعلبك وبيت الدين؟
بعلبك مشروع دولة وُلد سياسياً منذ تأسيسه، بينما بيت الدين فعل فردي لعائلة جنبلاط وُلد كرسالة صمود محلية في عمق الحرب الأهلية — هذا الفرق في الدافع التأسيسي ينعكس حتى اليوم في طريقة إدارة كل مهرجان.

هل تستضيف مهرجانات الأرز نجوماً عالميين؟
لا بشكل مباشر. يعتمد المهرجان على نجوم لبنانيين وعرب أثبتوا حضورهم على مسارح عالمية في مكان آخر (مثل مشاركات فرقة “مياس” أو ديو وائل كفوري مع مايكل بوبليه)، بدل استيراد اسم عالمي مباشرة إلى بشري.

لماذا يعتمد مهرجان بيبلوس على إنتاجات جماعية بدل نجم منفرد؟
لأن استيراد إنتاج متكامل وجاهز، كعرض “تجار بوليوود”، يقلّل من مخاطر فشل حفلة نجم واحد، ويمنح المهرجان استدامة بميزانية أصغر مقارنة ببعلبك أو بيت الدين.

ما الذي يفسر استقرار مستوى ضيوف بيت الدين رغم الانهيار الاقتصادي في لبنان؟
استمرارية إدارة عائلة جنبلاط للمهرجان دون انقطاع لأربعين عاماً متواصلة، بصرف النظر عن الحكومات المتعاقبة، وهو استقرار إداري نادر يفسر حفاظ المهرجان على أسماء كبرى مثل إلتون جون وبلاثيدو دومينغو.

لماذا تأجلت دورة بعلبك لعام ٢٠٢٦؟
بسبب الظروف الأمنية في المنطقة، وليس تراجعاً عن دوره الثقافي — وكان من المقرر أن يستضيف الموسيقار اللبناني غبريال يارد قبل التأجيل.


المصادر:

  1. مهرجان بعلبك الدولي – ويكيبيديا العربية: ar.wikipedia.org/wiki/مهرجانبعلبكالدولي
  2. Baalbeck International Festival – الموقع الرسمي (صفحة التاريخ): baalbeck.org.lb/history
  3. مهرجان بيت الدين – ويكيبيديا العربية: ar.wikipedia.org/wiki/مهرجانبيتالدين
  4. مهرجانات بيت الدين تُحيي صيف ٢٠٢٣ – جريدة الأنباء: anbaaonline.com/news/210932
  5. مهرجانات بيت الدين في عامها الـ٤٠ – موقع وردنا: waradana.com
  6. قلعة بعلبك بلا موسيقى هذا الصيف – الجزيرة نت: aljazeera.net/arts
  7. مهرجانات جبيل الدولية ٢٠١٧ – موقع الفن: elfann.com
  8. نجوم لبنان يحتفلون بمهرجانات الأرز – إيلاف: elaph.com
  9. ستريدا جعجع تطلق مهرجانات الأرز ٢٠٢٥ – MTV Lebanon: mtv.com.lb


جميع حقوق النشر محفوظة لـ”الخبر 360″ – يُمنع إعادة النشر دون إذن مسبق

© ٢٠٢٦ الخبر 360 – جميع الحقوق محفوظة

  • “مهرجانات لبنان الصيفية: أربع وجهات فنية بأربع قصص مختلفة”

Trending

اكتشاف المزيد من Alkhabar

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة