لماذا تتجه العلامات التجارية للمؤثرين بدل الفنانين؟ قراءة في تحول صناعة الإعلان

لماذا تفضّل الشركات المؤثرين على الفنانين في إعلاناتها اليوم؟ من الثقة إلى العائد على الاستثمار إلى دقة الاستهداف.. تحليل شامل لأسباب تحوّل العلامات التجارية من نجوم الفن إلى الإنفلونسرز، مدعوم بأرقام من Goldman Sachs وDataReportal، ولماذا يبقى الفنان الكبير خيارًا لا غنى عنه في حالات معينة.

الكاتب: [محمد سيف]| تاريخ النشر: [4 يوليو 2026] | حقوق النشر: جميع الحقوق محفوظة © الخبر 360 – يُمنع إعادة النشر دون إذن مسبق


قبل عشر سنوات، كان القرار الأول الذي تتخذه أي شركة عند التخطيط لحملة إعلانية كبرى هو: “أي فنان سنختار؟”. اليوم، تغيّر السؤال جذريًا ليصبح: “هل نحتاج فنانًا أصلاً، أم يكفينا عشرة مؤثرين متوسطي الحجم؟”. هذا التحول ليس مجرد صيحة عابرة، بل إعادة هيكلة كاملة لمنطق الإعلان نفسه، تدعمها أرقام حقيقية من مؤسسات مالية وبحثية دولية، لا مجرد انطباع بأن “الكل صار عند المؤثرين”.

المشكلة التي واجهتها العلامات مع الفنانين: مصداقية باهتة

الفنان الكبير حين يظهر في إعلان، يعرف الجمهور غالبًا أنه يتقاضى مبلغًا ضخمًا مقابل تلك الثواني، وهذا الوعي بحد ذاته يخلق مسافة نفسية بين الرسالة الإعلانية والمشاهد. أما المؤثر، وتحديدًا صاحب الجمهور المتوسط أو الصغير، فيبدو للمتابع وكأنه “يوصي” بمنتج استخدمه فعلاً، لا يبيع صورته المهنية. وهذا التصور له غطاء رقمي حقيقي: بحسب تقرير “Influencer Marketing Hub” لعام 2025، يحقق التسويق عبر المؤثرين عائدًا متوسطًا يقارب 5.78 دولار مقابل كل دولار يُنفق على الحملة، بينما تصل أفضل الحملات إلى عائد يتراوح بين 11 و18 دولارًا لكل دولار منفق. هذه الأرقام لا تعني أن كل حملة مؤثرين ناجحة تلقائيًا، لكنها تفسّر لماذا تحوّلت الميزانيات التسويقية باتجاه هذه القناة بثقة متزايدة.

هذا لا يعني أن الفنان فقد قدرته على الإقناع، بل يعني أن نوع الإقناع الذي يقدّمه المؤثر مختلف جوهريًا: الفنان يبيع “الطموح” (أن تصبح مثله)، بينما المؤثر يبيع “المطابقة” (أن تصبح مثل شخص يشبهك فعلاً). وهذا الفارق الدقيق هو ما يجعل حملات معينة، خصوصًا في مستحضرات التجميل والموضة اليومية، تنجح أكثر مع المؤثرين، بينما تبقى حملات أخرى، كالسيارات الفاخرة أو المجوهرات، مرتبطة بصورة النجم الكبير.

اقتصاد الأرقام: لماذا يحقق المؤثر عائدًا أعلى بتكلفة أقل، وأكثر مرونة؟

خلف الحديث عن “الثقة” و”الأصالة”، يكمن سبب اقتصادي بحت لا تُخفيه الشركات: غالبًا ما تكون الميزانية اللازمة للتعاقد مع عدة مؤثرين متوسطين أقل من ميزانية التعاقد الواحد مع فنان كبير، بينما مجموع وصولهم إلى الجمهور قد يتفوق أحيانًا على وصول الفنان نفسه، لأنهم يخترقون شرائح متخصصة (الأمهات، عشاق التقنية، محبي السفر) بدل استهداف الجمهور العام بشكل مشتت. هذا النموذج يُعرف في صناعة التسويق بمبدأ “التصنيف الهرمي للمؤثرين” (Nano وMicro وMacro وCelebrity)، حيث تختار كل شركة المستوى الذي يناسب ميزانيتها وهدفها بدقة، بدلًا من الرهان الكلي على اسم واحد ضخم.

الأهم من التكلفة المباشرة هو المرونة الزمنية: تعاقد شركة مع فنان كبير قد يستغرق أشهرًا من التفاوض والتنسيق مع جدول أعماله، بينما يمكن لحملة مؤثرين أن تُطلق خلال أيام، وهو أمر حاسم في عالم رقمي تتغير فيه الترندات أسبوعيًا. هذه السرعة تحديدًا هي ما يفسّر التوجه القوي نحو منصات مثل سناب شات وتيك توك في الخليج تحديدًا؛ فبحسب تقرير “Digital 2026” الصادر عن DataReportal، استنادًا إلى بيانات أدوات الإعلانات الرسمية لشركة Snap، فإن نحو 91.8% من الجمهور المؤهل (13 عامًا فأكثر) في السعودية يستخدم سناب شات، ونحو 89% من البالغين تحديدًا، وهي من أعلى نسب الانتشار لهذا التطبيق عالميًا. هذا الرقم الموثّق مباشرة من بيانات الشركة نفسها، لا من تقديرات تسويقية عامة، يفسّر لماذا تصبح منصة كهذه محطة أساسية لأي علامة تستهدف الشباب الخليجي بسرعة.

اقتصاد المبدعين: سوق ضخمة تتجاوز صناعة الفن نفسها

الأرقام العالمية تكشف حجم هذا التحول بوضوح، وإن اختلفت تقديراتها بحسب الجهة المصدرة لها. فبحسب تقرير “Goldman Sachs” الصادر عام 2023 وما زال يُستشهد به كأحد أكثر المراجع اعتمادًا في هذا المجال، كان الحجم الإجمالي لاقتصاد المبدعين نحو 250 مليار دولار، مع توقعات بأن يقترب من 480 مليار دولار بحلول عام 2027، بمعدل نمو سنوي مركّب يتراوح بين 10% و20%. أما بخصوص عدد صنّاع المحتوى، فتتفق عدة مصادر بحثية (من بينها Goldman Sachs وLinktree وStatista) على رقم يقارب 207 ملايين صانع محتوى نشط حول العالم، منهم نحو 50 مليون معتمدون على هذا النشاط بشكل احترافي أو شبه احترافي، وإن أشارت بعض التقديرات الأخرى إلى أرقام أعلى تصل حتى 300 مليون حين تُحتسب فئات أوسع من الهواة.

أما في مجال الإنفاق التسويقي تحديدًا على المؤثرين، فتشير تقديرات “Influencer Marketing Hub” إلى أن هذا الإنفاق العالمي بلغ نحو 32.5 مليار دولار خلال عام 2025، ومن المتوقع أن يتجاوز 40 مليار دولار خلال عام 2026. هذا الاتساع يفسّر أيضًا سبب انجذاب الشركات الصغيرة والمتوسطة تحديدًا للمؤثرين أكثر من الفنانين: فالفنان الكبير غالبًا محجوز لصالح العلامات الكبرى القادرة على دفع مبالغ ضخمة، بينما فتح اقتصاد المؤثرين البوابة أمام آلاف الشركات الأصغر لتنفيذ حملات فعّالة بميزانيات محدودة.

من المهم هنا توخي الدقة: الغالبية العظمى من صنّاع المحتوى لا يحققون دخلاً كبيرًا؛ فبحسب Goldman Sachs، لا يتجاوز نحو 4% فقط من صنّاع المحتوى دخلاً سنويًا يفوق 100 ألف دولار، بينما تعتمد نسبة كبيرة منهم على مصادر دخل متعددة لا على صفقة إعلانية واحدة. هذا التفصيل مهم لأنه يوضح أن “اقتصاد المؤثرين” ليس فرصة ذهبية سهلة للجميع، بل هرمًا تنافسيًا حادًا يشبه إلى حد بعيد صناعة الفن التقليدية التي يفشل فيها كثيرون مقابل نجاح قلة.

متى يبقى الفنان لا غنى عنه؟

رغم كل ما سبق، لا يمكن القول إن المؤثرين حلّوا محل الفنانين بالكامل، بل الأدق أن كل طرف احتفظ بمساحة مختلفة. فالحملات الوطنية الكبرى، كإعلانات رمضان الرمزية التي تتحدث باسم “الأمة” أو “العائلة المصرية”، ما زالت تعتمد بشكل شبه حصري على الفنانين الكبار، لأن المؤثر مهما بلغ عدد متابعيه لا يملك بعد ذلك الرصيد الرمزي التاريخي الذي راكمه فنان مثل عمرو دياب أو محمد منير على مدى عقود. كذلك تبقى العلامات الفاخرة، كالمجوهرات ودور الأزياء العالمية، مرتبطة بمنطق “السفير” الفني التقليدي الذي يمنح المنتج هالة استثنائية يصعب على المؤثر منحها.

بمعنى آخر: المؤثر يمتلك أفضلية في بناء الثقة اليومية القريبة والاستهداف الدقيق، بينما يمتلك الفنان أفضلية في صناعة “اللحظة الكبرى” ذات الطابع الجماهيري العريض. وهذا بالضبط ما يفسّر ظهور نموذج ثالث بدأ ينتشر أخيرًا: الحملة الهجينة، التي تجمع فنانًا كبيرًا في مركز الحملة إلى جانب عدد من المؤثرين الذين يعيدون توزيع الفكرة نفسها بأسلوبهم الخاص عبر منصاتهم، فتحصل الشركة على المصداقية الشعبية للمؤثرين والقوة الرمزية للفنان في آنٍ واحد.

القراءة الأعمق: ماذا يعني هذا التحول لصناعة الشهرة نفسها؟

الأثر الأعمق لهذا التحول لا يتعلق بالإعلانات وحدها، بل بإعادة تعريف مفهوم “النجومية” ذاته. فحين كانت النجومية حكرًا على من يملك موهبة فنية واضحة (غناء، تمثيل، رياضة)، أصبحت اليوم قابلة للبناء تدريجيًا عبر الاستمرارية والصدق الرقمي، دون الحاجة لعمل فني تقليدي بالمعنى القديم. مع ذلك، تظل بيانات Goldman Sachs نفسها تذكيرًا بأن هذا المسار ليس سهلاً ولا مضمونًا لغالبية من يخوضونه، تمامًا كما لم تكن صناعة الفن التقليدية سهلة يومًا لمن دخلها. هذا يعني أن الجيل القادم من “الوجوه الإعلانية” لن يكون بالضرورة ممن صعدوا عبر مسرح أو استوديو تسجيل، لكنه أيضًا لن يكون طريقًا مضمون النجاح لكل من يحمل هاتفًا وحسابًا على تيك توك.

في لحظة ما، توقف الجمهور عن سؤال “مين النجم اللي بيمثّل هالإعلان؟”، وصار يسأل “مين اللي بيتكلم معايا فعلاً؟”. هذا السؤال البسيط هو الثورة الحقيقية اللي بتحصل الآن أمام أعيننا، وهي ثورة لا رجعة فيها: فالثقة، بمجرد ما تتزعزع، ما بترجع بنفس السهولة اللي انكسرت فيها. ومع ذلك، يبقى شيء واحد صامدًا وسط كل هذا التحوّل: أن أعظم لحظة إعلانية عربية، تلك التي يتوقف عندها الناس ليشاهدوها لا ليتخطّوها، ما زالت بحاجة لصوت يعرفه الجميع، ووجه يحمل تاريخًا لا يُشترى بميزانية ولا يُصنع بخوارزمية.
فمن سيكسب المستقبل إذًا؟ ربما لا أحد بمفرده. الفائز الحقيقي هو من يفهم متى يستخدم الهمس القريب لمؤثر، ومتى يحتاج الصوت العالي لأسطورة.
فما رأيكم أنتم؟ هل صدّقتم إعلانًا لأحد المؤثرين مؤخرًا أكثر مما صدّقتم إعلانًا لفنان كبير؟ شاركونا تجربتكم في التعليقات، ولا تفوّتوا متابعة “الخبر 360” لتبقوا أول من يعرف أسرار صناعة الفن والإعلان في عالمنا العربي.


الأسئلة الشائعة

هل تكلفة التعاقد مع المؤثرين أقل فعلاً من تكلفة الفنانين في كل الحالات؟
ليس دائمًا بشكل مطلق؛ فالتكلفة تعتمد على حجم الجمهور ومعدل التفاعل ونوع المنصة أكثر من اعتمادها على التصنيف “مؤثر” أو “فنان” وحده. المؤثرون متوسطو وصغيرو الحجم عادة ما يتطلبون ميزانية أقل، لكن كبار المؤثرين ذوي الملايين من المتابعين قد تقترب تكلفتهم أحيانًا من تكلفة فنانين متوسطي الشهرة.

ما مصدر تقديرات حجم اقتصاد المؤثرين، ولماذا تختلف الأرقام بين تقرير وآخر؟
تعتمد التقديرات على منهجية كل جهة بحثية وما تُدرجه ضمن حساباتها (الصفقات الإعلانية فقط، أم أيضًا عائدات المنصات والتجارة الإلكترونية المرتبطة بالمبدعين). لهذا تتراوح التقديرات لعام 2026 بين نحو 205 و320 مليار دولار بحسب المصدر، وهو تفاوت طبيعي في هذا النوع من الدراسات الاقتصادية الناشئة.

هل ستختفي إعلانات الفنانين تمامًا في المستقبل؟
غير مرجح، فالفنانون الكبار ما زالوا الخيار الأمثل للحملات الوطنية الكبرى والعلامات الفاخرة التي تحتاج رصيدًا رمزيًا تاريخيًا يصعب على أي مؤثر تعويضه في المدى القريب.


المصادر

  • Goldman Sachs Research – تقرير “The Creator Economy Could Approach Half-a-Trillion Dollars by 2027”
  • Influencer Marketing Hub – تقارير عائد الاستثمار (ROI) وحجم الإنفاق العالمي على تسويق المؤثرين
  • DataReportal (تقرير Digital 2026: Saudi Arabia) – بيانات مستقاة مباشرة من أدوات إعلانات Snap Inc.

جميع الأرقام والإحصاءات الواردة في هذا المقال مستندة إلى تقارير ودراسات صادرة عن جهات بحثية ومالية معروفة (Goldman Sachs، Influencer Marketing Hub، DataReportal)، وتم ذكر المصدر مباشرة عند كل رقم حساس. حيث تختلف التقديرات بين المصادر، ذُكر النطاق بدل رقم واحد قاطع، مراعاة للدقة والموضوعية.

  • لماذا تتجه العلامات التجارية للمؤثرين بدل الفنانين؟ قراءة في تحول صناعة الإعلان

Trending

اكتشاف المزيد من Alkhabar

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة